عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

86

اللباب في علوم الكتاب

و « الجهر » : ضد السّرّ ، وهو الكشف والظهور ، ومنه : جهر بالقراءة أي : أظهرها . قال الزمخشري : « كأن الّذي يرى بالعين جاهر بالرّؤية ، والذي يرى بالقلب مخافت بها » . قوله : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ قرأ عمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم « الصّعقة » بغير ألف ، وقرأ الباقون بالألف ، وهما لغتان . فصل في زمان هذه الواقعة قال محمد بن إسحاق : هذه الواقعة قبل تكليفهم بالقتل لما رجع موسى - عليه الصلاة والسلام - من الطّور ، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل ، وقال لأخيه والسامري ما قال ، وحرق العجل ، وألقاه في البحر ، واختار من قومه سبعين رجلا ، فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : [ أرنا ربك حتى ] « 1 » يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه الصلاة والسلام فأجاب اللّه إليه ، ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، وتغشّى الجبل كله ، ودنا من موسى ذلك الغمام ، فدخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وادعوا ، وكان موسى - عليه الصلاة والسلام - متى كلمه ربه أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام اللّه - تعالى - مع موسى يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه ، فقال القوم بعد ذلك : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ فماتوا جميعا ، وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ، ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فأرجع إليهم ، وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون لي ؟ فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى ردّ اللّه عليهم أرواحهم ، وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : « لا ، إلّا أن يقتلوا أنفسهم » « 2 » . وقال « السّدي » : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر اللّه - تعالى - أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلا ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرة ، فأخذتهم الصاعقة ، وماتوا ، فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، فإني أمرتهم بالقتل ، ثم اخترت من أنفسهم هؤلاء ، فإذا رجعت إليهم ، وليس معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟ فأحياهم اللّه - تعالى - فقاموا ، ونظر كل واحد منهم إلى الآخر [ كيف يحييه اللّه تعالى ] « 3 » .

--> ( 1 ) في ب : سهل ربك . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 77 ) وفي تاريخه ( 1 / 221 ) وذكره ابن كثير في « تفسيره » ( 1 / 170 ) عن ابن إسحاق . ( 3 ) سقط في ب .